Book · ثقافة · 1 min
دفتر الكلمات البعيدة
مقتطف من كتاب قصير عن الكلمات التي تعبر بين البيوت والبلدان.
مريم ناصر
في أول دفتر تركته جدتها، وجدت هدى كلمات لا تشبه القاموس تمامًا. كانت الكلمة تُكتب بحروف عربية، ثم تُشرح بجملة من لهجة أخرى، ثم يضاف إليها رسم صغير لشيء لا يوجد إلا في حارتهم القديمة. فهمت هدى أن اللغة لا تسكن في الكلمات منفردة؛ تسكن أيضًا في الطريقة التي يحيّي بها الجار جاره، وفي الصمت الذي يأتي بعد خبر ثقيل.
كلما انتقلت كلمة بين شخصين تغيّر وزنها قليلًا. قد تحمل من البيت الأول نبرة، ومن البيت الثاني صورة، ومن الطريق بينهما سؤالًا جديدًا. لهذا لا تكون الترجمة جسرًا من حجر؛ إنها جسر يُعاد بناؤه كلما عبره أحد. المترجم الجيد لا يخفي المسافة، بل يجعلها قابلة للمشي، ويترك للقارئ فرصة أن يرى الضفتين معًا.

Translation can make distance walkable without pretending it is gone.
أغلقت هدى الدفتر وهي تعرف أن بعض الكلمات ستظل بعيدة عنها. لم يكن ذلك نقصًا. البعد نفسه دعوة إلى الإصغاء، وإلى سؤال من يستعمل الكلمة عن الذاكرة التي تحملها. حين نترك للغة أكثر من مركز واحد، تتسع الغرفة التي نستطيع أن نلتقي فيها.